
السبيل- عبدالله الشوبكي
حرص مؤتمر «الإسلاميون والحكم» على إرسال تطمينات باتجاهات متعددة، للأطراف الشعبية والسياسية في البلدان العربية التي شهدت وتشهد تحركات شعبية، وذلك بهدف اجتياز المرحلة بسلام ونجاح، ومن أجل تخفيف حدة النزاعات والخلافات الداخلية والعربية، لمصلحة إنجاز أهداف الثورات وحركات الإصلاح.
وكان مركز دراسات الشرق الأوسط عقد ندوة تحت عنوان «الإسلاميون والحكم»، خلال اليومين الماضيين بمشاركة 150 شخصية من تسعة بلدان عربية.
وتوجهت الندوة بتطمينات لمختلف المستويات دون استثناء أحد منها، فعلى المستوى الشعبي دعت الكلمة الختامية الإسلاميين إلى إرسال رسالة تطمينية للشعوب التي اختارتهم من أجل تمثيلهم بشكل حقيقي، وخاطبت أولئك المؤيدين للأنظمة السابقة ممن لم تثبت عليهم مسؤولية قانونية وفق أحكام القضاء بضرورة إرسال رسالة تطمينية إليهم. كما لا بد للإسلاميين أن يرسلوا رسالة في اتجاه آخر صوب القوى السياسية في الدولة، وبأنها شريكٌ حقيقي في صياغة مستقبل البلاد وقيادة دفتها. وضرورة تطمين الدول العربية بأن الحكم الجديد يعتبر الأمن القومي العربي جزءاً من أمنه القطري، ويسعى إلى التكامل وتصفير الخلافات مع كل الدول العربية.
ولم تستثن الرسائل التطمينية دول الجوار غير العربية باستثناء"إسرائيل"، بأن الحكم الجديد يتبنى سياسة التعاون والانفتاح والتكامل مع دول الجوار.
ويؤمن الحكم الجديد بالشراكة وليس التبعية الدولية، وهو بذلك معني بأن يطمئن دول العالم بأنه الجديد الذي يحمل فكراً حضارياً منفتحاً، وله وجهة نظر ورؤى سيقدمها للنظام الدولي لتطوير وتعديل السياسات، ولحل القضايا والمشاكل المستعصية التي فشل النظام الدولي في التعامل معها.
وأكد المشاركون بالندوة بأشكال مختلفة أن أنظمة الدول الجديدة التي يرجح أن تكون دولاً مدنية بمفهوم عربي تستند إلى المرجعية الإسلامية، وهي تختلف كلياً عما يعرف بالدولة الدينية (الثيوقراطية) بالمعنى العلمي، وأنها ستلتزم بأن الأمة مصدر السلطات، وبتداول السلطة من خلال صناديق الاقتراع.
ويرى أستاذ الفقه ونائب عميد كلية الشريعة في الجامعة الاردنية علي الصوا الذي قدم ورقة في جلسة كان عنوانها "الدولة المدنية في فكر حركات الإسلام السياسي وممارساتها" أن الدولة المدنية هي التي تعبر عن المجتمع، وتكون وكيلة له وتستتند إلى قيمه، يختار فيها الناس حكامهم وممثليهم ويحاسبونهم ويعزلونهم. وعقد مقارنة بين الدولة المدنية والدولة الدينية (الثيوقراطية)، ويجد أنه وفقا للنظرية الإسلامية فإن "الأمة مصدر السلطات".
ورقته تؤكد أن الإسلام دين ودولة وأن الإسلاميين لا يختلفون في أن الدولة الدينية وفق مصطلحها التاريخي الغربي لا وجود لها في الإسلام، وأنهم لا يريدون إقامة دولة دينية أو ثيوقراطية.
وتلفت الورقة إلى تحولين بارزين في فكر الحركات الإسلامية الوسطية وواقع علاقتها مع الأنظمة القائمة في البلاد الإسلامية، أولهما: اتخاذ قراراتهم بالمشاركة السياسية مع أنظمة لا تتبنى الإسلام أساسا للحكم، باعتبار أن ذلك قد يحقق مصلحة وطنية في مجالات متعددة، إضافة إلى التصريح بأن في الإسلام دولة مدنية حصريا لا دولة دينية.
وأوضح الصوا أن غير المسلمين يعدون من أهل دار الإسلام في أقوال الفقهاء جميعهم، فهم من شعب الدولة ومكوناتها، وأن الأمة المسلمة وإن خسرت وحدتها السياسية بعد الدولة العثمانية، لكنها لا زالت قائمة على أساس الوحدة الاجتماعية انطلاقا من قول الله تعالى:"إن هذه أمتكم أمة واحدة"، وهي أقدر على الاستجابة للاندماج، لأن ذلك ينبع من أصالتها التاريخية وشخصيتها الإسلامية ومقوماتها المشتركة، وأن أحسن مثال للاجتهادات العصرية بهذا الخصوص هو فكرة تطوير الوحدة الاسلامية بإنشاء منظمة دولية التي سماها عبد الرزاق السنهوري "جامعة الشعوب الشرقية".
وختم بالدعوة إلى التضامن الإسلامي، فالسعي لإنشاء منظمة المؤتمر الإسلامي جاء ثمرة لكفاح الحركات الشعبية والحركات الاسلامية، وأن هذه المنظمة مصيرها الانهيار اذا تركت على حالها دون إعادة النظر في جوهرها وأسس تنظيمها.
إلى ذلك، تساءل أستاذ العلوم السياسية في جامعة اليرموك أحمد سعيد نوفل إن كان الوصول إلى السلطة هو هدف الحركات الإسلامية؟ أم أن ذلك هو مقدمة للوصول إلى هدف أكبر وهو النهضة على أسس إسلامية. كما تحدث عن مخاوف الغرب من وصول الحركات الإسلامية إلى الحكم، نافياً وجود دولة دينية، بمعنى الدولة الثيوقراطية حسب المفهوم الغربي في التاريخ الإسلامي، موضحاً أن الهدف من طرح فكرة الدولة الدينية هو تخويف الشعوب العربية من الإسلاميين وإشغالهم في الدفاع عن أنفسهم. وأكد نوفل أن الإسلام يرفض إسناد سلطة الشرع إلى فئة محددة من الشعب، وتحدث عن مدينة الدولة ودينية التشريع في الدولة الإسلامية، معدداً بعض صفات الدولة المدنية من منظور إسلامي، ومنها أن لا قداسة للحاكم، وأن حرية إبداء الرأي تعد جزءاً من الشورى، فضلاً عن أن حركات الإسلام السياسي ارتضت أسلوب الانتخابات للوصول إلى السلطة.
وحملت الجلسة الخامسة عنوان "التحديات التي تواجه الدولة العربية ما بعد الثورات العربية وموقف الإسلاميين منها".
وتناول رئيس المؤتمر القومي الإسلامي منير شفيق هذه الورقة بالتحليل بمحورين أساسيين على صلة بالثورات العربية، الأول واقع هذه الثورات من خلال التركيز على ثلاث نقاط رئيسة، أولها أن التغير في موازين القوى العربية والإسلامية والعالمية التي شكلت الشروط الخارجية لتفجّر الثورات الشبابية الشعبية، لافتا إلى أن الثورات ما كان لها أن تحدث لولا المقاومة والممانعة التي عرفتها الثماني سنوات الماضية في الانتصار على العدوان الصهيوني- الأمريكي سواءً في لبنان أو غزة أو العراق، بينما يؤكد ثانيها أن الثورات في مواجهتها لأنظمة الاستبداد والفساد، تجنبت الهجوم على السياسات المتعلقة بالتبعية لأمريكا والتفريط في القضية الفلسطينية أو الخضوع للعولمة وتنفيذ أجندتها، ويذهب آخرها إلى أن مواقف الترحيب التي وقفتها أمريكا والدول الأوروبية إزاء نتائج الانتخابات في تونس أو مصر، لم تكن إلا مواقف مزيفة تعجز عن مواجهة القوى الصاعدة.
ويركز المحور الثاني من الورقة على مستقبل وتحديات أنظمة ما بعد الثورة، مؤكداً أن مستقبل هذه الأنظمة سيواجه العديد من التحديات؛ إذ إن نجاح الدولة القطرية العربية مرهون بوجود مشروع وحدوي عربي يتسّع باستمرار ليشمل الأقطار العربية أو معظمها، كما أن فترة الترحيب الدولية بالأنظمة العربية الجديدة سواء أكانت إسلامية أم قومية أم وطنية أم ديمقراطية ليبرالية ستنقضي بمجرد الدخول في حوار جدّي يتناول السياسات الخارجية والداخلية.
واهتمت ورقة الدكتور خالد السفياني من المغرب بمناقشة التحديات التي تواجه الجهة أو التنظيم الذي ستفرزه صناديق الاقتراع في أي قطر من أقطار الوطن العربي، إذ إن الثورات التي أفرزت هذا الواقع اختلفت بسماتها عن بقية الثورات التي حدثت على مدى التاريخ.
وتناول التحديات التي تواجه الإسلاميين، حيث تعطي الآفاق البادية امتدادا واسعا لهذه التنظيمات، على أنها تحديات داخلية وخارجية. وفيما يتعلق بالداخلي منها فتشير الورقة إلى أنه لا بد من أخذ الحيطة والحذر من فلول ومكونات الأنظمة الاستبدادية التي تم إسقاطها التي تسعى لاسترداد كرامتها التي أفقدتها الثورة إياها، إضافة إلى تحدٍّ آخر يتعلق بتحقيق أهداف الثورة في الحرية والنماء، وكيفية تحويل شعارات الثورة إلى برنامج سياسي اقتصادي اجتماعي وهوية مجتمعية.
أما بالنسبة للتحديات الخارجية فنبه إلى ضرورة التيقظ من المحاولات الخارجية للالتفاف على الثورة والإمساك بزمام الأمور، ومن السعي وراء قضية الطمأنة، والاحترام الكامل للاتفاقيات، إضافة إلى تحدي الانجرار وراء الاعتراف الغربي بالتيار الإسلامي المعتدل. ومن جهة أخرى فهنالك تحدٍّ يتعلق بالعروبة والإسلام، إذ إن هنالك من يهمه إبعاد ثوراتنا عن العمود الفقري لأمتنا والذي هو العروبة والإسلام، كما حذرت الورقة من شعور أي قوى فازت في محطة الاستحقاق الانتخابي بالنشوة، إذ إن الوطن للجميع وبناؤه مسؤولية الجميع.
وناقش المستشار السابق للرئيس السوداني قطبي المهدي في جلسة بعنوان "الإسلاميون والعلاقات الإقليمية والدولية في مرحلة الحكم"، تحدي إدارة الإسلاميين للعلاقات الدولية والإقليمية الذي تعده أكبر تحديات الدولة الإسلامية في عالم اليوم، وذلك لتعارض وتناقض مصالح الكثير من الدول مع مشروع الدولة الإسلامية حضارياً واستراتيجياً.
وركز على تجربتي إيران والسودان في إدارة علاقاتهما الدولية، واستعرض التحديات الرئيسة التي تواجه علاقات إيران الإقليمية. وتطرق إلى استراتيجيات إيران في التعامل مع دول الخليج والعراق وجوارها الشرقي والشمالي وفي التعامل مع القضية لفلسطينية.
وفيما يخص السودان ناقشت ورقة المهدي أسلوب الإسلاميين في تبديد شكوك الغرب حول طبيعة حكومتهم، ثم طرق مواجهتهم للحصار الذي فرض عليهم.
وخلصت الورقة إلى أن حكومة الإسلاميين الوليدة ستواجه بجملة عداء سافرا أو مبطنا منذ اليوم الأول من الصهيونية في "إسرائيل" والغرب. وأن تغييراً شاملاً في المنطقة الإسلامية هو الضمان الوحيد لتوفير بيئة إقليمية أو دولية يمكن أن تساعد حكومة الإسلاميين على الصمود والتقدم. وإن تعاوناً شاملاً بين الحكومات والشعوب الإسلامية يشمل نظاماً اقتصادياً وتجارياً وأمنياً مشتركاً وتوافقاً سياسياً مؤسساً يُحقق الاعتماد على الذات وتكون الإرادة السياسية للحكومة الإسلامية فيه حرة وغير مرهونة للضغوطات الاقتصادية والسياسية والأمنية للدول المعادية. هو الضمان الوحيد لتأمين وجود هذه الحكومة بوصفها حكومة قوية وفاعلة ومؤثرة. وقال إذا استطاعت هذه الحكومة ان تُقدم نفسها للعالم كإضافة حقيقة للمجتمع الدولي وعاملاً جديداً يدعم السلام العالمي ويسهم في الازدهار الاقتصادي فإن ذلك سيمكنها من مد جسور التواصل والتعاون مع المجموعة الدولية. وتابع إن أي وضع يجعل هذه الحكومة معتمدة على أعدائها في اقتصادها وأمنها، وغير معتمدة على مواردها وقدراتها الذاتية ومحيطها الإسلامي سيجعلها حكومة فاقدة للهوية والاستقلال وخاضعة للمؤثرات الخارجية.
وقرأ الدكتور الإعلامي أحمد محجوب ورقة كان سيقدمها الدكتور سليم الجبوري من العراق، وطرحت هذه الورقة جملة من الجدليات والاستفهمات حول الإسلاميين والعلاقات الدولية في مرحلة الحكم، حيث تناقش الجدلية الأولى مفهوم العلاقة، ومن أين نواصل تلك العلاقة؟ هل بمنظور سياسات بحتة أم من منطلق عقائدي؟ وما هو الحاكم في العلاقة؟ بينما تناقش الجدلية الثانية التحديات في رسم صورة العلاقة، وهل تقوم العلاقات اليوم كما تشاء الحركات الإسلامية أم كما يشاء خصومها، أم كما تشاء المصلحة والحاجة؟ فالإسلاميون اليوم يواجهون تحديات خطيرة وحساسة فهناك من يسعى لإفشال تجربتهم من غير القوى الداخلية المنافسة.
أما الجدلية الثالثة فتحدثت عن تحديات الأزمة الدولية، إذ إن هنالك أمورا تتطلب موقفاً سواء على المستوى الدولي أو الإقليمي، وهذا ما لم تحسمه الحركات الإسلامية بعد، وربما يحتاج منها إلى زمن وتدبر ونظر وخبرة للحسم في هذه الملفات الشائكة. هذا وقد عرضت الجدلية الرابعة للإيمان بالنظام الدولي، الذي له تبعات تتمثل بضرورة الانحياز إلى معسكر ما زال فاعلا على الأرض، ومن هنا فلا بد للحركات الإسلامية أن تحدد خياراتها بشكل سريع ودقيق.
وتناقشت الجدلية الخامسة إشكالية القبول الدولي للحركات الإسلامية حتى داخل بعض الأنظمة العربية التي تخشى من أن تزعزع بعد أن رأت قدرة الحركات الإسلامية على تحريك الثورات، إذ بات من الضروري أن تبنى العلاقة مع هذه الدول على أساس الإيمان بالتشارك المجتمعي، وأن نسعى لتقديم نياتنا وأنفسنا على حقيقتها وإن كانت مزعجة للبعض.




