

السبيل - نبيل برغال
شهدت إسرائيل في منتصف تموز 2011 انطلاق حركة احتجاجات شعبية اطلق عليها اسم «احتجاج الخيام»، وذلك بعد أن نصب المئات من الاسرائيليين خيامهم في مواقع متعددة في تل أبيب اعتراضاً منهم على سياسيات الحكومة الاقتصادية التي أدت إلى تآكل دخل شريحة واسعة من المجتمع الإسرائيلي والتي باتت غير قادة على تأمين حاجياتها الأساسية خصوصاً في المسكن.
وقد عمت احتجاجات غلاء المعيشة وتكاليف السكن والتي تحاكي حركات الربيع العربي ما يقرب من العشرة مدن من شمال إسرائيل الى جنوبها، تمثلت في حشود قدرت بـ160 ألف يوم السبت 30 تموز، ورفعت في شارع روتشيلد في تل أبيب شعارات تطالب بتحقيق "العدالة الاجتماعية لا الإحسان"، "والرد على الخصخصة هو الثورة"، و"نريد عدالة وليس صدقة"، وقد ندد المحتجون بالقوى الاحتكارية وغلاء المعيشة، وطالبوا بتوفير السكن بأسعار معقولة.
وقد انضمت لموجة الاحتجاجات عدد من القرى والبلدات العربية والدرزية أيضاً.
وبعد ثلاثة أسابيع من بدايتها تصاعدت حركة الاحتجاج السبت 6 آب عندما خرج أكثر من 300 ألف متظاهر إلى الشوارع في تل أبيب ومدن أخرى في مظاهرة وصفتها الشرطة ووسائل الإعلام المحلية بأنها من أضخم الاحتجاجات في تاريخ إسرائيل، وقد استمرت حركة الاحتجاج على زخمها المتصاعد، حيث وصل عدد المتظاهرين السبت 3 أيلول إلى ما يقرب من 400 ألف متظاهر في مختلف المدن، وقد حظيت تل أبيب بالنصيب الأكبر من عدد المتظاهرين الذي وصل تعدادهم إلى 300 ألف شخص.
وتركزت المطالب التي دعا إليها المتظاهرون وغالبيتهم من الطبقة الوسطى على العودة إلى دولة الرفاه وتقنين سياسة الخصصة والتي أصبح فيها رأس المال مكدس بأيدي طبقة قليلة من أصحاب السلطة رؤوس الأموال المتنفذين على حساب غالبية الشعب الذي يتدنى مستواه المعيشي، ولم تتبن هذه الاحتجاجات مطالبات ذات صبغة سياسية إلا ما كان منها مطالباً بإطلاق سراح الجندي الأسير جلعاد شاليط، فالهدف الأساسي للاحتجاجات انصب على "دفع النظام الاقتصادي والاجتماعي في إسرائيل إلى نقطة توازن جديدة بين اقتصاد السوق والاقتصاد الاجتماعي تتناسب واحتياجات المجتمع الإسرائيلي والدول والمشروع الصهيوني".
ويشار إلى أن النظام السياسي الاقتصادي الإسرائيلي في فترة بناء الدولة كان يقوم على ما يمكن تسميته بالنظام الاشتراكي الجماعي الذي تشكل فيه المستوطنات بؤرة الارتكاز، حيث كانت الدولة مسيطرة على الموارد الاقتصادية وعلى رأس المال وعلى الصناعة والأراضي والسعي لتحقيق دولة الرفاه، إلا أنه ومنذ منتصف الثمانينيات من القرن الماضي بدأ النظام الاقتصادي في إسرائيل يتجه نحو اقتصاد السوق الذي تقلص فيه دور الدولة مع مرور الوقت ليقتصر على توفير البيئة المناسبة للعمل، وجلب الاستثمارات الخارجية.
وقد كانت الاحتجاجات في طبيعتها جماهيرية سلمية لم تأخذ طابع الاستقطابات الحزبية، غير أنه ورغم الأعداد الهائلة التي شاركت في الاحتجاجات فإن أغلب المراقبين لم يصنفوها على أنها ثورة لا في جوهرها ولا في منطلقاتها، فقد اقتصرت على مطالبات اقتصادية معيشية ولم تمس جوهر النظام السياسي والأمني في "إسرائيل".
لم يكن للاحتجاجات تلك التداعيات الكبيرة نظراً لتدني سقف مطالبها، غير أنها قد فاجأت صناع القرار في إسرائيل بحجم المشاركة فيها، وطبيعة هذه المشاركة التي أخذت طابع الاعتصامات عبر نصب الخيام في الساحات العامة، وهو ما أعاد إلى الواجهة ضرورة كبح الهرولة المتسارعة من قبل الدولة نحو الليبرالية الاقتصادية الحديثة، وإعادة الإعتبار إلى الأسس التي قامت عليها الدولة مع مراعاة متطلبات العصر، وهو الأمر الذي رأى فيه الخبراء أن قاعدة ليبرالية صهيونية محافظة آخذة في التشكل داخل المجتمع الإسرائيلي. استطاعت الحكومة امتصاص غضب الجماهير عبر تكشيل لجنة لدراسة مطالب المحتجين من جانب، واستخدام الفزاعة الأمنية من جانب آخر.
فقد كلف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لجنة يرأسها الخبير الاقتصادي الإسرائيلي مانويل ترايتنبرج لكي تجري تفاوضاً مع مندوبي المتظاهرين لرفع توصيات حول كيفية حل مشاكل السكن والعبء الضريبي وغلاء المعيشة وتطوير سياسة الإسكان.
أما على الصعيد الأمني، فقد كثفت الحكومة الإسرائيلية بشكل ملحوظ الترويج للخطر النووي الإيراني، خصوصاً بعد التقرير الصادر عن الوكالة الدولية للطاقة الذرية، حيث طغى هذا الموضوع على كافة المواضيع الأخرى على كافة المستويات الرسمية والإعلامية والأكاديمية، بالاضافة إلى التحذير من الخطر النووي الإيراني فقد عملت الحكومة الإسرائيلية على التهويل من التداعيات "الخطرة" لاستحقاق أيلول في الأمم المتحدة على إثر تقديم الجانب الفلسطيني طلب الإعتراف بالدولة الفلسطينية، ومعروف لدى الجمهور الإسرائيلي أن القضايا الاقتصادية تحتل المرتبة الثالثة وحتى الرابعة في سلم الأولويات التي تتصدره القضايا الأمنية والسياسية والعلاقات الخارجية، وهكذا خبت هذه الاحتجاجات حتى توقفت نهائياً إلا أن خبراء أكاديميون يرون أن جمرها ما زالت متقداً وهو ما ينذر بانفجارها من جديد في حال أخفقت الحكومة في الإيفاء بوعودها تجاه تحسين المستوى المعيشي للمواطن الإسرائيلي.





التعليقات