
السبيل- وكالات
بعد استعصاء دام ستة أشهر تمكن ثوار ليبيا بمساعدة حلف الناتو من السيطرة على العاصمة الليبية طرابلس بعد عملية عسكرية دامت أربعة أيام. ويرصد هذا التقرير تفاصيل العملية العسكرية وردود الفعل عليها وأبرز تداعياتها.
تفاصيل العملية:
- في فجر يوم السبت 20 آب أطلقَ الثوار حملة على العاصمة طرابلس تحتَ اسم «عملية فجر عروس البحر»، إذ قاموا بتنفيذ إنزال بحري على سواحل العاصمة لإيصال كميات من السلاح والذخائر إلى ثوار الداخل فيها، وبعد إفطار السبت مباشرة بدأ ثوار طرابلس بالدخول في اشتباكات عَنيفة معَ قوات القذافي في مناطق مُختلفة داخل المدينة بالتزامن مع زحف قوات الثوار الأخرى من جَميع المدن المُحيطة بها مثل الزاوية وصرمان وصبراتة غربَ العاصمة وترهونة جنوبها، وتمكن ثوار طرابلس مساء السبت من السيطرة بشكل كامل على مُعظم شرق العاصمة بالإضافة إلى أجزاء أخرى من أطراف وسطها وغربيها، ومن المناطق التي سيطروا عليها قاعدة معيتيقة وتاجوراء وفشلوم والسبعة والظهرة وبن عاشور وغيرها. وسُرعان ما بلغ ثوار جنوب العاصمة بوابات مدينة العزيزية التي لا تبعد عنها سوى 30 كيلومتراً إلى الجنوب، وخلال هذه الاشتباكات التي اندلعت في أنحاء العاصمة ومُحيطها، ساعدَ حلف الناتو الثوار على التقدم بتغطية جوية كثيفة، واستهدفَ خلال غاراته هذه بعض بوابات سجن أبو سليم الخارجية، مما ساعدَ الثوار على دخوله والاشتباك معَ قوات القذافي، وقد انتهت هذه العملية بتحرير عدد من من معتقلي السجن.
- واندلعت الاشتباكات مرَّة أخرى في العاصمة يومَ الأحد 21 آب حيث عاد الثوار للدخول بمعارك معَ قوات القذافي في مواقع عديدة من المدينة منها قاعدة معيتيقة الجوية وفشلوم وبن عاشور وزاوية الدهماني، فضلاً عن وُقوع اشتباكات شرسة بشمال وشمال شرق تاجوراء على الرغم من سيطرة الثوار عليها، ونجحَ الثوار بعدَ هذه الاشتباكات بقتل 30 فرداً من كتائب القذافي وأسر 100 آخرين، مع نشر الثوار في شرق المدينة نقاط تفتيش لإحكام سيطرتهم على الوضع في المنطقة، وفي منطقة أخرى من العاصمة اقتحمَ ثوار «سجن الجديدة» وحرَّروا الآلاف من السجناء المحتجزين فيه، بالإضافة إلى تحرير مئات المعتقلين الآخرين في سجون بتاجوراء وبوسليم، فيما ساعدَ حلف الناتو الثوار على التقدم بالتغطية الجوية، إذ أغارَ على مقر القذافي في باب العزيزية بالإضافة إلى مواقع تابعة لكتائبه في قاعدة معيتيقية الجوية.
وفي هذه الأثناء تقدَّم الثوار على جبهة الزاوية إلى العاصمة واستطاعوا خلال تقدُّمهم نحوَ العاصمة اقتحام ثكنة عسكرية كبيرة تُسمى «الكيلو 27»، وقد كانت هذه الثكنة أكبر عقبة في طريقهم إلى طرابلس، وغنموا منها الكثير من الأسلحة والمعدات العسكرية واستطاعوا السيطرة عليها، ووصلوا منطقة «جنزور» غربيَّ العاصمة، التي بدؤوا بدخول طرابلس عبرها.
أما على ساحل العاصمة فقد حاصرت قوات بحرية تابعة لحلف الناتو الشاطئ بأكمله لمنع مُرور أي سفن توصل تعزيزات لكتائب القذافي، في حين جاءت سفن تقلُّ ثواراً من مدينة مصراتة إلى ساحل المدينة لمُساعدة ثوار الداخل، إذ بلغَ عدد المُقاتلين الذين أقلتهم هذه السفن حوالي 200 رجل، كما زحفَ ثوار جبهة الجنوب من مدن الزنتان وجادو ونالوت نحوَ بئر الغنم لمُتابعة الطريق شمالاً نحوَ العاصمة.
وبعدَ هذه الاشتباكات العَنيفة وتدفق الثوار إلى طرابلس من كل الجهات المُحيطة بها، أصدرَ قائد كتيبة حماية طرابلس أوامرَ بإلقاء السلاح وفتح بوابات العاصمة في وجه الثوار، فيما سلمت الكتيبة الموكلة بحماية العقيد معمر القذافي شخصياً نفسها للثوار، فضلاً عن انسحاب كتائب القذافي من بعض أنحاء العاصمة نحوَ منطقة باب العزيزية وتحصنها فيه بعدَ خلعها زيها العسكري الرسمي. وفي هذه الأثناء بلغَ الثوار الذين يَزحفون باتجاه العاصمة ومن داخلها من كل الجهات قلب طرابلس في «ضاحية قرقارش»، ودخلوا الساحة الخضراء التي أصبحت تُلقب بـ»ساحة الشهداء» وكانت إحدى رموز الثورة في طرابلس، وهُنا أعلن ثوار المدينة سيطرتهم على مناطق قاعدة معيتيقة وتاجوراء وفشلوم وسوق الجمعة وعرادة والسبعة وبن عاشور وزاوية الدهماني بالكامل بعدَ اشتباكات طويلة معَ كتائب القذافي، وبالمُجمل بعدَ المعركة التي استمرَّت لمدة يومين أعلن الثوار أنهم يُسيطرون تماماً على قرابة 95 في المئة من العاصمة طرابلس.
- وفي صباح يوم الاثنين 22/08 بدأت اشتباكات عَنيفة في مُحيط منطقة باب العزيزية بين الثوار وبقايا كتائب القذافي، إذ حاصرَ الثوار باب العزيزية من عدة جهات، وبدؤوا بالدخول في قتال معَ بقايا الكتائب، في غضون ذلك قصفت طائرات الناتو باب العزيزية ومواقع لكتائب القذافي في مطار معيتيقة بطرابلس.
- وفي 23/8 بسط الثوار الليبيون سيطرتهم شبه الكاملة على مقر العقيد معمر القذافي في باب العزيزية، ورفع الثوار علم الثورة فوق ما يسمى «بيت الصمود» حيث اعتاد العقيد القذافي إلقاء خطاباته منذ اندلاع الثورة، وصرح رئيس المجلس العسكري لثوار طرابلس عبد الحكيم بالحاج من داخل مجمع باب العزيزية أن الثوار أحكموا السيطرة على نحو 90 في المئة من المجمع، واقتحموا جميع مكاتب القذافي دون أن يلقوا القبض عليه، أو على أحد من أفراد أسرته. وقال بالحاج الذي قاد تلك العملية إن الدخول إلى المجمع تم من خلال أربعة محاور، وإن الثوار لم يواجهوا مقاومة كبيرة من طرف الكتائب التابعة للقذافي وتمكنوا من أسر عدد من أفرادها والاستحواذ على أسلحة قناصة ومصفحات.
وكشف رئيس المجلس الوطني الانتقالي مصطفى عبد الجليل مساء الثلاثاء أن ضحايا معركة طرابلس التي استمرت ثلاثة أيام بلغوا 400 قتيل على الأقل وألفي جريح، أما عدد أسرى كتائب القذافي فلا يتجاوز 600 جندي. أما الناطق الرسمي باسم النظام الليبي موسى إبراهيم فقد قال إن العمليات في طرابلس أسقطت أكثر من 1300 قتيل وأكثر من 5 آلاف جريح.
تداعيات العملية:
- كان لسقوط الزعيم الليبي السابق دلالة أهمّ من سقوط أي حاكم عربي آخر وذلك لسببين اثنين، الأول متعلّق بطبيعة الشخص لأن هذا الرجل مثّل ذروة النظام العربي القديم وأحيانا شكله الكاريكاتيري، ولأن سقوطه يرسل رسالة إلى بقية الحكام العرب مفادها: حتى لو استعملتم كل ما في جعبتكم من قتل ودمار ورشوة فلن يثني ذلك الشعوب عن نيل حريتها وكرامتها.
- اعتبر وزير الخارجية الفرنسي الان جوبيه الاثنين 22 آب أن سقوط النظام الليبي «سيكون له تداعيات كبيرة على سوريا»، موضحاً انه لن يحصل تدخل عسكري في سوريا، «لكننا سنزيد ضغطنا. أعتقد أن بشار الاسد لن يكون قادرا على البقاء في السلطة».
مستقبل ليبيا:
- أمام حكومة الثورة تحدي تخليص الثورة من أي فواتير ابتزاز لحلف الأطلسي والدول الراعية فيه سواء كان ذلك الابتزاز ماديا أو سياسيا أو جيوإستراتيجيا، لكن من المؤكد أن الأمر يحتاج إلى فطنة وتدرج لا يُعرّض الأمن القومي الليبي لأي اختراق ولا يُدفع به أيضاً في مواجهات مكلفة على مستقبله وانتصاره التاريخي، وقد يستغرق ذلك وقتا لكنه أفضل من المعالجات الشرسة.
- يتهدد مستقبل ليبيا خطر الانحدار إلى الفوضى في ظل انتشار السلاح والفراغ السياسي الذي سيعقب نظام القذافي، والطبيعة القبلية للمجتمع الليبي، ويشكل الجنوب الليبي بؤرة محتملة لانطلاق الفوضى في ظل الطبيعة الصحراوية الوعرة وضعف الارتباط بالسلطة المركزية.




