
السبيل - حبيب أبو محفوظ
عملت حملة المظاهرات والاحتجاجات السلمية الفلسطينية، والتي انطلقت في 15 آذار من العام الحالي، في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة على إنهاء حالة الانقسام الفلسطيني بين حركتي فتح وحماس، متأثرة بأجواء الربيع العربي التي اجتاحت المنطقة، في مطلع العام الحالي 2011.
قاد الشبان الفلسطينيون من أبناء حركتي فتح وحماس، في الضفة الغربية وقطاع غزة على التوازي، بالإضافة لبعض الفصائل الفلسطينية، مطالب استعادة الوحدة الوطنية، والدعوة لوضع حد لخمس سنوات من الانفصال بين أكبر فصيلين فلسطينيين، وفتح صفحة جديدة من العلاقة يكون عنوانها الشراكة السياسية، والتوافق في القرار الفلسطيني الوطني.
وتماما كما انطلقت شرارة الثورات العربية عبر مواقع التواصل الاجتماعي كـ»الفيسبوك» و»التويتر» طالب شبان فلسطينيون عبر مجموعات مختلفة أطلقت على نفسها اسم شباب 15 آذار، طالبوا في بيان منشور على صفحات الإنترنت، بإخراج كل الأسرى السياسيين والمعتقلين من سجون حركتي حماس وفتح، وإيجاد حلٍ جذري للوضع الراهن، مؤكدين أنّ الاحتجاجات الشعبية في مصر، ومناطق أخرى في الوطن العربي ألهمتهم للدعوة للتظاهر.
في 4/5/2011، وقّعت كل من حركتي فتح وحماس وبرعاية مصرية وبحضور عربي وإسلامي في القاهرة على الورقة المصرية التي عرفت بـ»وثيقة الوفاق الوطني للمصالحة، وإنهاء الانقسام الفلسطيني». حضر التوقيع محمود عباس ممثلاً عن حركة فتح، وخالد مشعل ممثلاً عن حركة حماس، وبهذا الاتفاق يكون الفلسطينيون قد طووا خمسة أعوام من الانقسام.
مهّد الاتفاق الطريق لإقامة حكومة وحدة وطنية وإجراء انتخابات عامة، وتحديد أسماء أعضاء لجنة الانتخابات المركزية بالاتفاق مع الفصائل الفلسطينية، ورفعَها لرئيس السلطة الفلسطينية ليُصدر مرسوماً بتشكيلها وفقا لمبدأ التوافق، بالإضافة لترشيح ما لا يزيد عن 12 قاضياً لعضوية محكمة الانتخابات، واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة لتشكيلها بالاتفاق مع الفصائل.
نص الاتفاق على تنظيم الانتخابات التشريعية والرئاسية وانتخابات المجلس الوطني الفلسطيني متزامنة بعد عام من تاريخ توقيع اتفاقية الوفاق الوطني من جانب القوى والفصائل الفلسطينية، وتشكيل حكومة وحدة من كفاءات وطنية على أن يُعين رئيس الوزراء، والوزراء بالتوافق.
نتيجة لذلك كله عمّت أجواء من الفرحة والارتياح عقب الإعلان المفاجئ عن توقيع الاتفاق، بالرغم من تأخر التوقيع لساعات بسبب رفض عباس جلوس مشعل بجواره على المنصة، بحجة أنّ عباس رئيس دولة، ومشعل يمثّل فصيلاً، في حين أنّ الاتفاق بالأساس بين فصيلين فلسطينيين.
حينها أعلنت حركة حماس موافقتها على التوقيع على الورقة المصرية، «انطلاقاً من مسؤولياتها الوطنية والتاريخية التي تقتضي إعلاء المصلحة العليا للشعب الفلسطيني ووفاء لدماء شهدائنا الأبرار، وإجلالا لمعاناة أسرانا البواسل، وفي سبيل تعزيز الجبهة الفلسطينية الداخلية، وصيانة وحماية الوحدة الوطنية».
على الفور سارع رئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو إلى الرد فوراً على الاتفاق، قائلا: «على السلطة الفلسطينية الاختيار بين السلام مع إسرائيل أو السلام مع حماس»، لكن الرئاسة الفلسطينية ردت فوراً على نتنياهو بمطالبته بالاختيار بين السلام أو الاستيطان.
بعد الاحتفال بتوقيع الفصائل الفلسطينية على وثيقة الوفاق الوطني، بدأت الفصائل الفلسطينية مشاوراتها بشأن الحكومة لوضع الأسماء المطلوبة في أربعة أشكال هي: شخصية رئيس الوزراء، وأعضاء لجنة الانتخابات، وأعضاء محكمة الانتخابات، وأعضاء مجلس الوزراء، مع مراعاة عدم الانتماء الفصائلي، اعتمادًا على الانتماء الوظيفي والمهني أو ما يطلق عليه اسم «التكنوقراط»، كما حدد المسؤولون الفلسطينيون مهام هذه الحكومة في سبع نقاط هي على النحو الآتي:
- تهيئة الأجواء للانتخابات الرئاسية والتشريعية والمجلس الوطني.
- الإشراف على معالجة قضايا المصالحة الناتجة عن الانقسام.
- متابعة عملية إعمار القطاع وإنهاء الحصار.
- متابعة تنفيذ ما ورد في الاتفاقية.
- معالجة القضايا المدنية والمشاكل الإدارية الناجمة عن الانقسام.
- توحيد مؤسسات السلطة في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس.
- تسوية أوضاع الجمعيات والمؤسسات الأهلية والخيرية.
وكما في كل مرة، توقفت عجلة الحوار عن السير قدماً نحو خريطة فلسطينية جديدة واضحة المعالم، إذ أنّ البند الأول من البنود السبعة التي تم عرضها مسبقاً لم ينفّذ، والمتعلق بتهيئة الأجواء للانتخابات الرئاسية والتشريعية والمجلس الوطني، والمقصود هنا تنفيذ ما تم الاتفاق عليه بالإفراج الفوري عن كافة المعتقلين السياسيين لا سيما في سجون حركة فتح بالضفة الغربية.
وبحجة عدم وجود معتقلين سياسيين لديها، وإنما أمنيين، وهو نفس التعبير الذي استخدمه عزام الأحمد في لقاءه مع أحد الصحفيين في الضفة الغربية، رفضت الأجهزة الأمنية في الضفة الغربية، الإفراج عن عشرات المعتقلين السياسيين من حركة حماس في الضفة الغربية، فيما أشارت النائب في المجلس التشريعي الفلسطيني منى منصور إلى أنّ عدم تنفيذ ما جاء في بنود المصالحة الفلسطينية، لا سيما فيما يتعلق بالإجراءات العملية لإنهاء حالة الانقسام والإفراج عن المعتقلين، يؤشّر على عدم جدية حقيقية لدى بعض «المتنفّذين» في الأجهزة الأمنية في الضفة الغربية.
وهو ما اعتُبر عودة جذرية إلى الوراء، أيّ إلى ما قبل لقاء مشعل عباس في القاهرة، تحديداً في 4/5/2011، ليبقى السؤال المطروح قديماً، وينتظر جواباً شافياً، من الذي يسعى لإفشال المصالحة، ومن الذي في مصلحته بقاء الواقع الفلسطيني متشرذماً إلى الحد الذي عليه اليوم؟
ظهر على السطح عوامل وعقبات جذرية تدفع نحو عدم تنفيذ ما تم الاتفاق عليه في القاهرة، فالأجهزة الأمنية في الضفة الغربية وبشكلٍ «أوتوماتيكي» ترفع من وتيرة حملتها الأمنية بحق أعضاء ومناصري حركة حماس، في الوقت الذي يجلس فيه المتحاورون في القاهرة للحديث عن آليات الإفراج عن المعتقلين السياسيين، ليصل الأمر إلى اعتقال ما يقرب من ثمانين شخصاً منذ لقاء مشعل - عباس الأخير.
بقي الوضع على حاله مدة ستة أشهر، إلى أن أعلن، وبشكلٍ مفاجئ، رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس عن نيته لقاء مشعل في القاهرة، لمتابعة تنفيذ ملفات المصالحة الفلسطينية، وحديثه عن بدء «شراكة فلسطينية جديدة»، فيما عزا بعض المحللين السياسيين إقدام عباس على خطوته هذه، إلى فشله الذريع في إيجاد موقفٍ دولي موحد من الاعتراف بالدولة الفلسطينية في الأمم المتحدة، أضف إلى ذلك تأكيد مصادر من داخل حركة فتح، من أنّ حالة من العزلة تعيشها الحكومة الفلسطينية في رام الله، في الأوساط السياسية والاجتماعية، والأهم من كل ذلك وجود خلافات جوهرية داخل الأطر التنظيمية لحركة فتح.
لكن ما رشح عن مصادر فلسطينية مطّلعة قولها أنّ «أبو مازن» سيطلب من حركتي حماس والجهاد الإسلامي في اجتماع منظمة التحرير المقرر عقده في القاهرة، الاعتراف بميثاق وبرنامج المنظمة وكافة الاتفاقات والمعاهدات التي وقعتها، ربما يشكّل انتكاسة خطيرة لن يكون من السهل تداركها على مسار المصالحة الفلسطينية، وربما تشكّل خطراً على مستقبل المنظمة برمتها.
ملف الاعتقال السياسي بقي مفتوحاً ولن يكون في صالح أيّ من الأطراف المتحاورة، وهو يشكّل حجر الزاوية في إنجاز أيّ بند من البنود السبعة المطروحة على طاولة الحل، إلاّ أنّ جدية فتح مؤخراً في إنجاز اتفاق المصالحة دون وضع شروطٍ «تعجيزية» كالسابق، يتطلّب من طرف حماس الإسراع في التنفيذ، لأنه ليس من مصلحة الحركة بقاء الوضع الأمني على حاله في الضفة الغربية، إلى الحد الذي لم يعد يحتمل.





التعليقات