

السبيل - عهود محسن
مرّ العام 2011 حافلاً بالأحداث غير المسبوقة في امانة عمان الكبرى والتي توجت بإحالة مسؤولين كبار في الامانة للتحقيق وتوقيف عدد منهم، وعلى رأسهم الأمين السابق عمر المعاني. القرار الذي جاء على خلفية عدة ملفات تحوم حولها شبهات فساد في الأمانة، وتم تحويل عدد منها للقضاء بتوجيه من حكومة معروف البخيت.
ملفات فساد منظورة
أمام القضاء
أول ملفات الفساد التي حولت للقضاء مشروع «تسكين الموظفين» ويتعلق الملف بشراء قطعة ارض من صندوق إسكان موظفي أمانة عمان الكبرى خلال عام 2009، وكانت لجنة التحقيق النيابية اتخذت قرارها رقم 17 بتاريخ 21/6 /2011 بخصوص ملف صندوق إسكان موظفي أمانة عمان الكبرى، حيث أرسل رئيس مجلس النواب كتابا حول قرار اللجنة بتاريخ 7/7/2011 إلى رئيس الوزراء الذي حول الملف بتاريخ 26/7/2011 إلى وزير العدل الذي بعث بتاريخ 31/7/2011 كتابا ضمنه تأييده تحويل الملف للنائب العام لإجراء المقتضى القانوني.
أما الملف الثاني فكان حول مكافآت ومصاريف ومساعدات أعضاء مجلس الأمانة، فبعد قرار لجنة التحقيق النيابية رقم 21 بتاريخ 26/6/2011 أرسل رئيس مجلس النواب كتابا مرفقا بقرار اللجنة بتاريخ 7/7/2011 إلى رئيس الوزراء الذي أرسل كتابا بتاريخ 26/7/2011 إلى وزير العدل مرفقا بالملف، وبتاريخ 31/7/2011 أرسل وزير العدل كتابا إلى رئيس الوزراء ضمنه تأييده لإحالة الملف للنائب العام لإجراء المقتضى القانوني.
الملف الثالث كان ملف الشركة المتكاملة للنقل المتعدد، وكان اللافت في الملف ذلك الدعم اللامحدود الذي تلقته الشركة من قبل الأمانة برغم الخسائر المتراكمة للشركة، ومنحها حق التشغيل على خطوط في شرق عمان على طريقة «التلزيم» من دون طرح عطاء.
فقد وجهت لجنة التحقيق النيابية كتابا ضمنته قرارها رقم 5 تاريخ 24 نيسان 2011 الذي أرسله رئيس مجلس النواب بتاريخ 12 أيار 2011 إلى رئيس الوزراء, حيث حوله إلى ديوان التشريع والرأي 21 أيار 2011 لدراسته وإبداء الرأي.
وبعد أن تسلم رد ديوان التشريع والرأي المؤرخ بـ 3 تموز 2011 قام رئيس الوزراء بتحويله إلى وزير العدل بتاريخ 18 تموز 2011 لإجراء المقتضى القانوني.
سيارات مشروع تطوير الساحة الهاشمية كان الملف الرابع، فبعد أن اتخذت لجنة التحقيق النيابية قرارها رقم 7 بتاريخ 9 أيار 2011 بعث رئيس مجلس النواب كتابا يتضمن قرار اللجنة إلى رئيس الوزراء بتاريخ 12 أيار 2011 حيث تم تحويله من قبل رئيس الوزراء إلى ديوان التشريع والرأي بتاريخ 21 أيار 2011 وأنهى ديوان التشريع دراسة الملف وضمن رأيه في كتاب لرئيس الوزراء بتاريخ 3 تموز 2011.
أما الملف الخامس فكان ملف عطاء أثاث الطريق من مظلات ومقاعد الذي طرح بداية العام 2011 والذي أحالته الأمانة إلى شركة واحدة على طريقة «الاحتكار», وما تبع ذلك من اعتراضات من قبل الشركات العاملة في صناعة الإعلان.
تقرير ديوان المحاسبة
من جهة اخرى، كشف تقرير ديوان المحاسبة لعام 2010 عن عدة تجاوزات مالية وادراية في امانة عمان تتعلق بأمور ادارية ومالية عديدة كشراء الخدمات والمكافآت المالية وتحمل نفقات منح حج لاشخاص من خارج الامانة بالاضافة للعديد من النقاط من أبرزها:
صرف مبالغ مالية لموظفين أحيلوا الى التقاعد، ومنها صرف مبلغ مالي قيمته 10000 دينار لاربعة مهندسين بقيمة اجمالية وصلت الى 40 ألف دينار، وصرف 5000 دينار لثلاثة مهندسين وموظف بقيمة اجمالية 20 الف دينار، وصرف 500 دينار لكل موظف او تعديل درجاتهم بمقدار زيادتين، وبلغ اجمالي الزيادات المصروفة لموظفين أحيلوا على التقاعد 91 ألف دينار.
ومن القضايا الاخرى التي كشفها تقرير يدوان المحاسبة: تزوير تواقيع كل من أمين عمان ونائب الامين ومدير المدينة والختم الخاص بمدير الموارد البشرية بهدف تمرير قرارات ادارية بطريقة غير مشروعة تتمثل بـ( زيادة الرواتب، وتحويل مسمى وظيفي، وانتداب، ومنح ومكافآت مالية)
حل مجلس الأمانة وتشكيل مجلس مؤقت وفصل البلديات
قرر مجلس الوزراء في 15 آذار 2011 حل مجالس البلديات وامانة عمان وتشكيل لجان مؤقتة، كما قرر مجلس الوزراء تشكيل لجنة تقوم بأعمال مجلس أمانة عمان الكبرى برئاسة المهندس عمار الغرايبة وعضوية كل من مدير الاشغال العامة في العاصمة عمان، ومدير صحة العاصمة، ومدير ادارة السير المركزية في مديرية الامن العام، ومدير الخدمات المشتركة في وزارة البلديات، ورئيس لجنة تحسين مخيم الوحدات، ومدير البيئة في العاصمة، وممثل عن غرفة تجارة الاردن، وممثل عن غرفة صناعة الاردن.
وفصلت الحكومة السابقة برئاسة د. معروف البخيت، بلديات جديدة عن أمانة عمان، بلغ عددها 13 بلدية جديدة، والحكومة قررت الإبقاء على فصل بلديات جنوب عمان عن أمانة العاصمة.
وفي وقت سابق قررت الحكومة الحالية الإبقاء على قرار الحكومة السابقة بفصل 7 بلديات عن أمانة عمان، وهي: أم البساتين، وحسبان، والجيزة، وأحد، وسحاب، وناعور، والموقر، سيبقى ساريا وسيدخل حيز التطبيق مطلع العام المقبل.
وجهات نظر
يبدي مسؤولون في الأمانة تخوفهم من تضخم معدلات العجز المالي للمؤسسة التي تعاني من مديونية مجدولة للبنوك المحلية تتجاوز نصف مليار دينار أردني فتقترب معدلات العجز في ميزانية أمانة عمان الكبرى للعام 2012 من 90 في المئة من موازنتها البالغة نحو 400 مليون دينار.
فالأزمة المالية والادارية التي تعاني منها الامانة منذ 5 أعوام يجب أن تواجه بمعالجات إدارية وقائية للحد من معدلات الانفاق المرتفعة، ووقف تنفيذ عدة مشاريع كبرى في الامانة، وإنهاء عطاءات لتنفيذ طرق وجسور وتأثيث للطرقات في عمان كانت الامانة أحالتها لمقاولين محليين قيمتها تتجاوز 150 مليون دينار، ووقف صرف تعويضات لمواطنين بدل استملاك أراض تقدر بـ5 ملايين دينار بحسب موظفين كبار في الأمانة.
وعلى ما يبدو فإن الجميع داخل الامانة وخارجها يترقب وضعا جديدا، يسهم بحل الازمة المالية التي تعاني منها المؤسسة الخدمية الاولى في الاردن، ويستعد للتعامل مع ملفات مديونية الامانة ومشاريعها المتعطلة عن التنفيذ وفقا لخطة إصلاحية تصاغ بموضوعية تخرج المؤسسة من أزمتها، بدءا من اعادة هيكلة الامانة، واصدار مشروع قانون اللامركزية وتعديل مرتقب على قانون الامانة، ومشاريع تطوير العمل البلدي، واقتراحات لتجاوز الامانة ازمتها المالية وترشيد الانفاق المالي، والاسراع في انجاز مشاريع الباص السريع ووادي عمان والمواقف الالكترونية للمركبات واستغلال المرافق الحضرية «اقامة حدائق ومتنزهات».
ويرى معنيون أن تقليص حجم العجز بمديونية الامانة للعام الحالي2011 كان وهميا، وأخفت التقارير حجم المديونية المالية المستحقة على المؤسسة، واكتفت بالاشارة الى تقليص للمديونية تم من خلال جدولة الديون التي باتت مستحقة الدفع خلال العام المقبل.
ولم تفاجأ التقارير الرسمية الصادرة عن لجان التحقيق الرقابي البرلماني بملفات الامانة أحدا من امتداد عجز المؤسسة وعدم قدرتها على دفع رواتب موظفيها للعام المقبل، ولا يخفي مسؤولون في الامانة هذا التخوف الذي يتضاعف يوميا لديهم، ويرون أنه لا سبيل الى معالجة الازمة حاليا الا بتوسيع دائرة الاقتراض البنكي والحكومي، وكبار مسؤولي الامانة مجتمعين يعترفون بتردي الاوضاع المالية للامانة، ويرون أن الحل لا يتم الا بانتقال منظم وسلسل لعهد إداري جديد في المؤسسة يقلص من تداعيات المديونية والآثار المترتبة عن عهد الإدارات السابقة للامانة.
وكشفت تقارير رسمية صادرة عن امانة عمان الكبرى ولجان التحقيق النيابي والرقابي بخصوص اوضاع الامانة المالية والادارية عن خطورة الاستمرار في آليات الانفاق المعمول بها، وارتفاع معدل النفقات المالية على خدمات الاستشارات والرواتب والنفقات الموازية.
وأبدى مسؤولون في الامانة تشاؤمهم تجاه الوضع المالي والاداري للامانة، وبالأخص ما يتعلق بملف المديونية التي تجاوزت نصف مليار دينار اردني خلال العام الحالي، واكدوا ان كل معالجات المديونية لا تحل ازمتها ما دامت سياسات الامانة المالية والادارية قائمة على ذات المنوال.
وتؤكد تخوفات مراقبين لشؤون امانة عمان ان حسم الجدل حول ازمتها يستدعي تشديد الرقابة على آلية الانفاق المالي ومراجعة سياستها المالية، وتعديل التشريعات الناظمة لحكم الامانة، والبحث عن سبل تشريعية لحكم ديمقراطي رشيد وقويم لا يضع القرار المالي والاداري في يد الامين او المديرين التنفيذيين في الامانة.
وكما هو واضح فإن التحقيقات النيابية والرقابية بملفات الامانة شابها الفساد وكشفت عن خلل في اتخاذ القرارات الحساسة والمهمة في الامانة، والتفرد المطلق للامين في تعيين كبار مديري الامانة وعقود الاستشارات، والموافقة على انفاق ملايين من الدنانير على خدمات استشارية دون الرجوع لمجلس الامانة وهو مكون من نصفين، الاول معين من الحكومة، والثاني منتخب مباشرة من العَمّانيين.
ويجد مراقبون ومتابعون للأمانة أن ازماتها الكثيرة تستدعي التفكير جديا بارقام مديونية المؤسسة الخدماتية الاكبر في الاردن، اذ تشير الى انها أنفقت خلال الخمسة أعوام الماضية نحو150 مليون دينار على بدل استشارات فنية وهندسية واعلامية، في المقابل فإن حصة الخدمات التنموية واصلاح الطرقات والانشاءات لم تنل 20 في المئة من معدل الانفاق المالي العام للامانة.
ويرى معنيون بشأن الأمانة أن تردي الوضع المالي والاداري للامانة ليس بالجديد، فالمعاينات الصحفية والرقابية «النيابية والقضائية» أفاضت كثيرا في نشر تقارير وحقائق ومعلومات وبيانات تكشف عن تردي الاوضاع المالية والادارية للامانة، وان ثمة ازمة حكم تعاني منها المؤسسة، وان ثمة قرارات لمشاريع يشوبها اللغط، وانها تسببت في تدرج تضخم ازمة الامانة المالية والادارية.
ويستشهد هؤلاء على ذلك بمشروع باص التردد السريع الذي يعتبرونه شاهدا امام الرأي العام الاردني، وان مصير المشروع المتعطل عن التنفيذ والذي انفقت الامانة على مراحله الانشائية والاستشارية الفنية والهندسية الاولية اكثر من 5 ملايين دينار كافيا للاستدلال على ازمة اتخاذ القرار في الامانة.
ومن الملاحظ أن الانتقادات التي وجهها البرلمان واعضاء من مجلس الامانة والصحافة لسياسة الامانة لم تنل الاهتمام الكافي وبقيت تصنف على انها مناكفات ولم تدخل في سياق الاهتمام الرقابي لما يجري داخل اروقة مؤسسة الامانة، ولما تنهجه ادارتها في الاسراف على خدمات عامة أبعدت الامانة عن العمانيين، وجسرت لهوة عميقة بين ما هو مرجو من الامانة وما هو قائم ومعمول به.
ومن ناحية أخرى اعتبر مسؤولون في الأمانة أن المتتبع لازمة الامانة يكشف خيوطها، وبدء اشتعال فتيل احتراقها ومدى حقيقة تردي وضعها المالي وخطورة المديونية على مركزها المالي وسلامة السياسات المتبعة في مجالات الاستثمار والاستملاك التي شهدت ارتباكاً ملحوظاً، كاد أن يتسبب في بيع آلاف الدونمات التي تملكها الامانة بأسعار رمزية لمستثمرين عرب واردنيين، وبصفقات بيع يشوبها لغط كبير.
وينظر موظفون من داخل الأمانة إلى أن الحال القائم يستوجب تغيير السياسات ورسم مخططات جديدة للتعاطي مع القضايا والإشكاليات التي تعانيها، فالادوات والوسائل المتوفرة في ادارة الامانة كلها لا تكفي لتبديد القلق على مستقبل المؤسسة، ولا اقتيادها لبر الامان والاستقرار والنجاة ماليا واداريا ونجاعة قرارات مشاريعها التنموية والخدماتية.
فالامانة كما هو معلوم تخضع اعمالها لرقابة ديوان المحاسبة، لكن هذا النوع من الرقابة على المعاملات المالية اليومية لا يوفر تقويماً للوضع العام ولا يقدم تحليلا علميا لمخاطر المديونية مثلا او سياسة الاستثمار والاستملاك المتبعة والاثر المترتب عليها في المستقبل.





التعليقات