الإثنين، 21 أيار 2012 م -  30 جمادى الآخر 1433 هـ

الخلف ينسفون أخطاء السلف وينطلقون من الصفر في إجراءات الانتخابات البلدية

  • صيغة PDF

alt

السبيل - عبدالله الشوبكي
ما أن أبصرت حكومة عون الخصاونة النور بعد تشكيلها حتى رأت أمامها طريقا كان قد سلكه سلفها مفروشا بالأشواك. فما كان أمام الخلف إلا أن ينسفوا قرارات الحكومة السابقة فيما يخص الانتخابات البلدية التي وصفها رئيس الحكومة السابق الدكتور معروف إبان ولايته الثانية بـ «العرس الديمقراطي».

محو آثار مجلس الوزراء السابق المتعلقة بقراراته الخاصة بالانتخابات البلدية لم تكتف به الحكومة الحالية التي وصفت نفسها بـ»الإصلاحية»، بل راح وزير البلديات المهندس ماهر أبو السمن «يُشكك» في إجراءات فصل واستحداث البلديات. قال في مؤتمر صحافي عقده في بنك تنمية المدن والقرى في الثالث عشر من تشرين الثاني الماضي: «إن فك دمج البلديات غير قانوني، ولن تكون الانتخابات البلدية قانونية إذا تمت وفق تلك الإجراءات».
اللجنة القانونية الخاصة بملف فك دمج البلديات خلصت إلى أن كافة الإجراءات المتخذة من قبل الحكومة السابقة مطعون فيها قانونيا، بحسب الوزير.
 المهندس أبو السمن لم يقف عند هذا الحد في النيل من قانونية فك دمج البلديات، إذ أوضح في المؤتمر الصحافي إياه «لم أجد في محاضر جلسات مجلس الوزراء قرارات باستحداث البلديات». وهذا-وفقا لمراقبين- إشارة إلى أن قرارات فك دمج البلديات اتخذت بشكل فردي إما من الرئيس أو وزير البلديات آنذاك دون أن يشارك باتخاذها مجلس الوزراء أو تحصل على الحد الأدنى من الاتفاق بين أعضائه.
مختصون في الشأن البلدي لاحظوا أن ثمة تدرج في «مسح آثار» الحكومة السابقة، فلم تعمد الحكومة مع إلغاء قرارات فصل البلديات إلى «شطب» كشوفات تسجيل الناخبين، بل تريثت قليلا. وقرر المهندس أبو السمن في الأيام الأولى لاعتلائه كرسي الوزارة تمديد فترة التسجيل واقتصارها على يوم السبت من كل أسبوع وتنتهي بتاريخ السابع من كانون الثاني من العام المقبل.
هذا القرار الصادر عن وزير البلديات في 25 تشرين الثاني الماضي جاء توطئة لإلغاء كشوفات التسجيل-بحسب مراقبين-، ففي 17 من تشرين الثاني الماضي اتخذت الحكومة قراراً بإلغاء قوائم الناخبين الذين سجلوا للانتخابات البلدية، سواء الذين سجلوا في عهد حكومة رئيس الوزراء السابق معروف البخيت أو من سجل في عهد حكومة رئيس الوزراء عون الخصاونة.
وبين هذين التاريخين اتخذت الحكومة (المكلفة) قرارا بتأجيل إجراء الانتخابات البلدية برمتها، ففي الـ28 تشرين الأول الماضي قرر مجلس الوزراء أنه «بات واضحا أن الانتخابات لن تجري في السابع والعشرين من كانون الأول المقبل»، وجاء هذا التصريح على لسان الناطق الرسمي باسم الحكومة راكان المجالي.
رجعت الحكومة خطوات إلى الخلف، ومن خلال التواريخ السالفة الذكر لمس مراقبون أن رئيس الوزراء جاء وفي يده قرار تأجيل الانتخابات البلدية، وضرورة العمل على «غسل وتنظيف» الطريق من الأشواك الذي علقت به بسبب قرارات الحكومة السابقة، بحسب قولهم.
«أشواك الطريق» نهشت هيبة الدولة وأذكت نزعات الانفصال لدى الأردنيين، ودفعت بالحكومة (المكلفة) إلى التريث واتخاذ قرار إرجاء الانتخابات بالتدريج، فالبلاد على صفيح ساخن والأوضاع الأمنية لا تحتمل مزيدا من المواجهة، بحسب ما يراه مراقبون.
المادة 5 وعش الدبابير
وبالعودة إلى الوراء قليلا واستدعاء الأحداث التي رافقت قرار فصل البلديات من الذاكرة، يشير مراقبون إلى أن المادة 5 من قانون البلديات كانت الشرارة التي أشعلت نار الاحتجاجات والاعتصامات في محافظات المملكة، إضافة إلى ما رافق التطبيق من سوء إدارة وتخطيط.
وتنص المادة 5 من قانون البلديات لسنة2011، على أنه إذا رغبت أكثرية سكان بلدة في إحداث بلدية في بلداتهم أو ضم البلدية القائمة إلى بلدية أخرى أو فصل بلدية، يزيد عدد سكانها على خمسة آلاف نسمة وكانت قائمة قبل سنة 2001، عن البلدية التي ضمت إليها يقدم فريق عنهم عريضة بذلك إلى الحاكم الإداري الذي عليه أن يرسلها مع ملاحظاته إلى الوزير.
وبالنظر إلى هذه المادة فإن النص يعتريه أخطاء، وبموضع سؤال فكم من المواطنين يعرفون حق المعرفة بتعداد سكان منطقتهم؟ وفي ظل التباين بين الناس هل يمثل مقدمو العرائض المواطنين في منطقتهم؟ وكم العدد المطلوب للمتقدمين بطلب الانفصال؟ هذه الأسئلة وغيرها لم تجب عنها المادة 5 من القانون.
هذه الملاحظات على المادة والتي تفتح بالأساس «عش الدبابير» على الحكومة السابقة، لم تكن الوحيدة التي رافقت عمليات الفصل والفك، بل رافقها سوء إدارة وعشوائية في التعامل مع الملف، كما يشير مراقبون.
ويتمثل «التخبط والعشوائية»-بحسب هؤلاء المراقبين- بمخالفة الحكومة السابقة للمادة، حيث أنها همشت دور الحاكم الإداري وصارت تستقبل العرائض بنفسها، وتقرر الفصل دون الرجوع له.
ولم تلتزم بالعدد المحدد «لتفكيك» مناطق المملكة وهو ألا يزيد عدد سكانها على خمسة آلاف نسمة، حيث استحدثت- بحسب تقرير حصلت عليه «السبيل»- بلدية المزرعة في محافظة المفرق ويبلغ تعداد سكانها 936 نسمة، واستحدثت بلدية قاسم وأخرى لنايفة وثالثة لدير القن في ذات المحافظة ويبلغ تعداد سكانها 735و 945 و797 نسمة فقط. وضمن بلدية أم الرصاص الجديدة استحدثت الحكومة السابقة بلدية طور الحشاش ويبلغ تعداد سكانها 986 نسمة.
إغلاق طرق ورصاص يتطاير في الهواء
بسهولة وصل عدد البلديات الإجمالي قبل رحيل حكومة معروف البخيت إلى نحو 300 بلدية، وبمجرد أن خرج عشرات الأشخاص في منطقة ما في شرق أو غرب المملكة وأحرقوا إطارات وأغلقوا الشوارع كانت تستجيب حكومة البخيت وتستحدث بلدية لهم في منطقتهم.
قائمة المناطق التي طالبت بفصل بلدياتها تطول، لكن عشرات المناطق في المحافظة الواحدة طالبت بفصل البلديات. وقام المواطنون بطرد لجان التسجيل، وبعضهم أحجم عن التسجيل بالأصل، ومزق مواطنون كشوفات التسجيل في أكثر من منطقة، حتى وصل بمواطنين في منطقة الجيزة بإطلاق العيارات النارية في الهواء.
ففي الأزرق أحرق المئات من أبناء عشيرة الخريشا الطريق الرئيس الواصل بين (الموقر - الأزرق) احتجاجا على دمج البلديات.
وطالب أهالي لواء الوسطية (محافظة اربد) باستحداث ثلاث بلديات جديدة في اللواء، وأغلقوا خلال فعالية احتجاجية الطريق الرئيسة المؤدية إلى الأغوار الشمالية وأضرموا النار بالإطارات.
المشهد ذاته تكرر فقد أقدم العشرات من أهالي منطقة الشونة الجنوبية على إغلاق الطريق المؤدي الى البحر الميت وجسر الملك حسين، مطالبين ببلديات مستقلة عن لواء الشونة الجنوبية.
وشهدت منطقة الجيزة إطلاق عيارات نارية للمطالبة بفصل بلديات، وأغلق مواطنون من منطقتي مدين ومرود الواقعتين على البوابة الشمالية لجامعة مؤتة الشارع الرئيس المؤدي للجامعة بالحجارة ومنعوا المركبات المرور فيه احتجاجا على عدم فصل بلدتيهما.
هكذا كان المشهد «ملتهبا» في البلاد إبان ولاية البخيت، وعلى هذه المناطق تقاس الأوضاع في باقي المحافظات. وبحسب مراقبين فإن التخبط الحكومي بلغ أوجه، ورضوخها لاحتجاجات المواطنين التي تصاعدت إبان قرار باستحداث البلديات كان بينا للعيان، حيث وضعت القانون جانبا وعملت على استرضاء المحتجين بعيدا عن هيبة الدولة وإحقاق القانون، بحسب هؤلاء المراقبين.
ويشيروا إلى أن الحكومة كانت تهدف من وراء ذلك إلى إجراء انتخابات البلدية تحت أي ظرف لتثبت للأطراف الداخلية والخارجية قدرتها على تسيير أمور الدولة، وتدلل على حالة الاستقرار السياسي في المملكة، واضعة خلف ظهرها تبعات إجراءات الانتخابات على المشهد السياسي في البلاد وما يمكن أن تؤول إليه الأحداث بعد إجرائها.
خلافات بين الوزراء  
وفي ظل الرماد المتناثر في أرجاء المملكة بسب إحراق الإطارات، وحالة الاحتقان الشعبي، ظهرت على السطح خلافات بين مجلس الوزراء على إدارة الانتخابات البلدية، كما يشير مراقبون.
فعلى ما يبدو أثارت تصريحات وزير البلديات السابق حازم قشوع لاسيما تلك التي أطلقها عن اتفاقه مع دائرة المخابرات العامة بأن ملف الانتخابات من مسؤوليته، إضافة الى تنازع الصلاحيات بين وزارتي الداخلية والبلديات، أثارت حفيظة رئيس الحكومة ودفعته إلى رفع يد قشوع عن ملف الانتخابات وتسليمه إلى لجنة حكومية يرأسها وزير التنمية السياسية في حكومته موسى المعايطة.
الخلاف بين وزيري الداخلية والبلديات السابقين مازن الساكت وحازم قشوع ظهرت على السطح، وتتعلق بتفاصيل إجراءات الحكومة المتخذة لإنجاح «العرس الديمقراطي».
وذكرت مصادر في وزارة البلديات أن الخلاف تراكم منذ اتخاذ الحكومة قرار إجراء الانتخابات البلدية العام الحالي، وظهر جليا في قضية التواصل بين مجلس القضاء الأعلى ووزارة البلديات، فيما يخص تكليف القضاة الـ93 للإشراف على اللجان الانتخابية.
وكانت وزارة الداخلية ممثلة بوزيرها مازن الساكت تريد أن يكون لها الكلمة الفصل باختيار القضاة، عبر وضع شروط الاختيار، ثم الإطلاع الكامل على الأسماء بعد اختيارها، وامتلاك الحق بالموافقة أو استبعاد أي من الأسماء. ثم تريد الوزارة الإشراف والمراقبة على أداء هؤلاء القضاة أثناء القيام بأعمالهم.
هذه الرغبة لم تجد طريقها إلى قشوع، فقد مضى بمخاطبة مجلس القضاء الأعلى، واختيار القضاة من خلال شروط تضعها وزارته وليس وزارة الداخلية، وتم اختيارهم والتواصل معهم عبر وزارة البلديات مستثنية هذه الأخيرة من أي إشراك لوزارة الداخلية، بحسب المصادر.
كل هذه العقبات كانت تؤكد أن الانتخابات لن تجري في موعدها المحدد، وإن جرت فستكون فاقدة للشرعية الشعبية، ويمكن أن تزيد حالة الاحتقان الشعبي وتسير بالبلاد إلى مزيد من حالة عدم الاستقرار، وفق مراقبين.
ويبقى ملف الانتخابات البلدية مثار تساؤل عن مدى قدرة الحكومة على تخطي العقبات السابقة، والتزامها بالقانون بعيدا عن الترضيات، وإجراء انتخابات بلدية نزيهة وفق قانون انتخاب تتوافق عليه الأطراف الحزبية والشعبية من الجهة والحكومة من جهة أخرى، في ظل مؤشرات على حسن النوايا الحكومية.

إضافة تعليق جديد: