
السبيل - محمد محيسن
أدت الأحداث المتسارعة خلال العام 2011 إلى حالة من الفرز في مواقف النقابات المهنية اتخذ شكل الانقسام لكن دون إعلان.
فالحراك الشعبي وأحداث سوريا وتعاقب الحكومات أدى إلى بروز حالة من التناقض في المواقف لا تنسجم والنظرة المعهودة لمجمع النقابات المهنية، فتزامن مع ذلك تراجع في دور النقابات المهنية بسبب موجات احتجاجات رافقت الربيع العربي ولصالح حركات الإصلاح التي ارتفع سقفها ليتجاوز النقابات والأحزاب مجتمعة.
العلاقة مع الحكومة وتقارب دون نتائج
أبرز ما ميّز العلاقة بين النقابات المهنية والحكومات الثلاثة التي تناوبت على الرئاسة خلال عام 2011 هو تحول الحديث عن استهداف الدور الوطني والقومي للنقابات المهنية والحد من دورها تحت شعار مهنيتها، إلى علاقة من التعاون تجسّدت مظاهرها بلجان مشتركة وعشرات اللقاءات والحوارات.
ويعزو مراقبون للشأن النقابي أنّ التدخلات الحكومية في الانتخابات النقابية التي جرت خلال العام 2010 أدّت إلى بروز تيار ثالث يتماها بين القومي واليسار، قريب من الحكومة، والذي استولى على أكثر من نقابة على حساب التيار الإسلامي الذي صمد حتى الآن في الحفاظ على هوية النقابات القريب من المعارضة.
ولا يعني التقارب الكبير الذي بدا واضحا بين النقابات المهنية والحكومات خلال 2011 أنّ العلاقة بينها سمن على عسل، ولكنها اعتمدت على الإيقاع المتسارع للشارع الذي كانت النقابات حتى وقت قريب أحد محركيه الرئيسيين.
وقد شكّلت مقدمات الحراك الشعبي وما تلاها من تداعيات تقارب نقابي حكومي متسارع، وكان بين سطور تلك اللقاءات والرسائل وعود كثيرة أطلقتها الحكومات المتعاقبة، من بينها وعود شخصية أسفرت عن حصول بعض النقابيين على مناصب حكومية.
ولم تخفِ أقطاب نقابية خشيتها أن تذهب المطالب النقابية التي ناضلت لأجلها لسنوات أدراج الرياح نتيجة عدم قدرة الحكومة على تنفيذ برامجها التي تعهدت بها.
النقابات المهنية التي تنتظر تنفيذ الوعود الحكومية بفارغ الصبر، تقرن صبرها بتصعيد متوقع قد تكون إعادة الهيكلة أحد أبرز أسبابه، دون التطلع إلى الواقع السياسي الذي بات يحتل المرتبة الثانية في أولويات النقابات أخيرا.
النقابات المهنية وعلى الرغم من اختلاف التوجهات الفكرية والمرجعيات الحزبية تتفق على ضرورة أن يكون لها دور مهم في التشاور وأخذ رأيها، وقد تصل هذه الرغبة لدى البعض إلى حد الترحيب بالمشاركة في أيّ حكومة، دون الإعلان صراحة عن ذلك.
فقد شهد مجمع النقابات المهنية حالة من الترقب الحذر فيما يتعلّق بتشكيلة حكومة عون الخصاونة، مع اختلاف بالرأي حول تركيبتها ورفض الحركة الإسلامية المشاركة فيها.
وقد أوصلت هذه الانتقادات تسمية من استشارهم الرئيس بـ"العرّابين"، مؤكدين أنّ هذه إحدى الخطوات السلبية والمستغربة التي ستجعل الحكومة في مرمى التساؤل عن إغفال قطاع واسع وهام من قطاعات المجتمع المدني.
وفي الوقت الذي رأى فريق نقابي أنّ على الحكومة أن تثبت حسن النية اتجاه الإصلاح السياسي والحراك الشعبي، رأى فريق آخر ضرورة وجود وزراء يمثّلون المعارضة كي يسهموا بشكل فعال في الإصلاح.
ففي حكومة عون الخصاونة الأخيرة تحوّل الحديث من انتقاد لاذع لعدم مشاورة النقابات في مشاورات التشكيل إلى ترحيب حذّر من قدرة الحكومة على تنفيذ ما وعدت به، وذلك بعد الزيارة النارية لرئيس الوزراء إلى مجمع النقابات المهنية، وطرحه الكثير من القضايا الحساسة والساخنة.
وتعرض النقابات نفسها على أنّها شريك هام وفعال في كافة هموم الوطن، وهي تمتلك من الخبرة والنزاهة ما يجعلها في مقدمة الصفوف لإبداء الرأي.
وفيما يتعلق بحكومة الدكتور معروف البخيت فقد كانت العلاقة بين الجانبين تتراوح ما بين المد والجزر رغم أنّها المرة الأولى التي يلتقي فيها رئيس وزراء نقباء النقابات المهنية قبيل تشكيل حكومته.
كما أنّ حكومة البخيت تضمّنت نقابيين عريقين في العمل النقابي هما الدكتور طاهر الشخشير، ونقيب المحامين الأسبق حسين مجلي، إضافة إلى وجود محاولات جرت لاستقطاب نقابيين محسوبين على التيار الإسلامي أبرزهم نقيب المهندسين الزراعيين عبد الهادي الفلاحات.
ولكن الأحداث التي رافقت الحراك الشعبي، الذي أخذ مدا واسعا خلال رئاسة البخيت للحكومة وتحوّل إلى فعل شبه يومي في الشارع، أدّت إلى تقارب نقابي ولكن في إطار ما عرف بتضييع الوقت.
الموقف النقابي انقسم إثر أحداث دوار الداخلية إلاّ أنّ التداعيات اللاحقة والمتمثلة في الحراك الشعبي أدّت إلى المطالبة صراحة برحيل الحكومة وذلك بعد أحداث ساحة النخيل.
أما أكثر الحكومات التي تم تشكيلها إثارة للجدل في الوسط النقابي فقد كانت حكومة المهندس سمير الرفاعي، التي حاولت جاهدة استقطاب النقابات من خلال زيارات متكررة بين الجانبين توّجت بزيارة رئيس الوزراء إلى مجمع النقابات المهنية.
ونتيجة اتخاذ الحكومة إجراءات اقتصادية جديدة أدّت إلى رفع الأسعار رفض مجلس النقباء دعوة رئيس الوزراء سمير الرفاعي للقائه في دار الرئاسة.
الأمر الذي أدّى إلى حالة من عدم التوافق داخل مجلس النقباء بعد أن رفض سبعة نقباء قبول الدعوة، فيما اعتذر سبعة آخرون عن المشاركة في الحوار، وهنا تدخل رئيس المجلس عبد الهادي الفلاحات ليحسم الخلاف، ويرجّح بصوته الاعتذار عن الدعوة.
الثورات العربية وبداية الانقسام
باستثناء الثورة السورية كانت الثورات العربية محل ترحيب واسع لدى النقابات، حيث شهد مجمع النقابات المهنية خلال العام 2011 سلسلة من النشاطات المرحبة بتلك الثورات.
كما عمدت النقابات المهنية إلى دعوة شخصيات سياسية شاركت بفعالية بالثورات العربية إلى المجمع لتشارك إما في احتفالات أقامتها النقابات أو في ندوات تم تنظيمها لهذه الغاية.
بيد أنّ الملف السوري شهد انشطارا في الموقف النقابي إلى قسمين أحدهما يمثّله التيار القومي وبعض اليساريين، في وجه التيار الإسلامي الذي يرى أنّ من حق الشعب السوري أن ينتفض على ما يصفونه بالظلم من حزب البعث.
ويرجع أغلب النقابيين في موقفهم إلى خلفياتهم الحزبية التي شهدت هي الأخرى انقسامات وتباينات في المواقف، وصلت حد غياب التنسيق وظهور بيانات متضاربة حول الموقف مما يجري في سوريا.
وتعكس سلسلة الأحداث التي شهدها مجمع النقابات المهنية حول الثورات العربية مدى الترحيب الكبير الذي يشعر به نقابيو الأردن بتلك الثورات، انطلاقا من الإحساس العام بالظلم الذي استوطن المواطن العربي نتيجة ممارسات تلك الأنظمة التي حكمت شعوبها بالحديد والنار لأكثر من أربعين عاما.
ففي الثورة التونسية حرصت النقابات المهنية على إحضار بعض رموز الثورة للمشاركة في بعض الفعاليات الاحتفالية، من بينهم العجوز التونسي صاحب مقولة "هرمنا حتى نرى هذه اللحظة التاريخية"، وفي الثورة المصرية امتلأت أروقة مجمع النقابات المهنية بشخصيات مصرية مساندة للثورة في تعبير واضح عن ترحيبها بقيام الثورة المصرية. ولم تكتف النقابات المهنية بذلك، بل أقامت النقابات احتفالا ضخما شارك فيه المئات من الشخصيات السياسية والنقابية والشعبية، كما أحضر مجمع النقابات فرقة شعبية مصرية أحيت جانبا من هذه الاحتفالات.
أما الملف اليمني ونتيجة لبعد هذه الثورة عن الأردن، فقد اقتصر التعبير عن ترحيب النقابيين بالثورة في سلسلة التحليلات السياسية والمناقشات العامة، ولكنها تدخل في إطار مساندة موقف الشعب اليمني في ثورته على نظام الرئيس علي عبد الله صالح.
وفي محاولة لتوحيد الموقف النقابي المنشطر على نفسه أصدرت النقابات المهنية بيانا جاء عقب سلسلة اجتماعات، أكّدت النقابات المهنية فيه حق الشعب العربي السوري في إقامة دولة مدنية ديمقراطية تعددية تعبّر عن آمال الشعب وطموحاته وإنهاء احتكار السلطة.
وأدانت النقابات المهنية قتل المواطنين أيّاً كان مصدره ورفضت التدخل الأجنبي في سوريا من أيّ جهة كانت، لأن الحل في سوريا هو في يد السوريين، وعلى الجامعة العربية العمل على إبقاء الحل في سوريا ضمن الإطار العربي، وعليها مساعدة الجميع للوصول إلى حل يلبي مطالب الحراك الشعبي السلمي وتنفيذ إصلاحات جذرية وفورية لتلبية المطالب الشعبية.
وتحفّظت النقابات المهنية على قرار مجلس الجامعة العربية بالمقاطعة الاقتصادية، لأنّها ستؤثّر سلبا على جماهير الشعب العربي السوري، وكذلك على دول الجوار العربي، مطالبة الحكومة السورية بالسماح لوسائل الإعلام والمراقبين العرب دخول سوريا للاطلاع على حقيقة ما يجري من أحداث، على أن تمثّل النقابات العربية في هذه الوفود بشكل أساسي وكبير، وتبدي النقابات المهنية الأردنية استعدادها للمشـاركة الفـاعلة في هذا المجال.
الحراك الشعبي وتضارب المواقف النقابية
الحراك الشعبي الذي شهدته مختلف مناطق المملكة أدى إلى بروز تباين واضح في موقف نقباء النقابات المهنية.
وعلى الرغم من أنّ الاختلاف في الرؤيا لم يصل إلى مرحلة العلن، إلاّ أنّ أزمة حقيقة شهدها مجمع النقابات طغت على السطح تعكس موقف النقابات المهنية من حركات الإصلاح داخل الأردن. وتجلّى هذا الأمر بوضوح من خلال الاعتذار "الراقي" الذي تقدّمت به النقابات إلى مجموعة شباب 24 آذار لمنعهم من إقامة مؤتمر صحافي في إحدى قاعات مبنى مجمع النقابات المهنية الأربعاء الماضي، الأمر الذي اضطرهم لإقامة مؤتمرهم في إحدى الساحات خارج المجمع.
ومما لا شك فيه أنّ تجمع نقابيون لأجل الإصلاح وبروزهم كشخصية مستقلة عن النقابات المهنية كانت أحد المظاهر الواضحة في حالة الانقسام هذه.
ويتهم بعض النقابيين المنتمين إلى هذا التجمع انحياز بعض النقباء إلى الرواية الرسمية في تفسيرها وآلية تعاطيها مع نشطاء الإصلاح ودفاعهم عن مواقف حكومية قبل وبعد الثورات العربية، خاصة الرواية الداخلية، ما أدّى إلى إحداث شرخ بين النقابات وهيئاتها العامة.
وينتقد ما أسموه البيان الخجول لمجلس النقباء حول أحداث دوار الداخلية، مؤكدين أنّها المرة الأولى التي يكون مجلس النقباء بهذا الضعف، محذّرين من خروج بعض النقابات خارج الموقف الثابت والتاريخي للنقابات المهنية.
ويشيرون إلى أنّ بوادر هذا الخروج ظهرت ملامحه منذ بداية العام، وأثّرت بشكل واضح على أداء مجلس النقباء تحديدا في قضايا الوطن الداخلية.
وعلى الرغم من بروز هذه التناقضات التي بدت واضحة، إلاّ أنّ صورة الأحداث الدامية التي شهدتها ساحة النخيل أعادت الصورة الموحدة لموقف النقابات المهنية، حتى وإن كانت هذه المواقف ذات أبعاد انتخابية.
وبدا واضحا أنّ الأزمة غير المعلنة داخل النقابات تشير إلى الانقسام في صفوف المعارضة الأردنية التي فشلت في إصدار أيّ موقف مما يجري في سوريا، ولا سيما بين الحركة الإسلامية وأذرعها في النقابات المهنية، الذين نظّموا احتجاجات أمام السفارة السورية، وبين القوميين واليساريين الذين يشكّلون ستة أحزاب معارضة وأذرعها في النقابات، بدت موحدة في تأييدها للرواية الرسمية السورية.
على الصعيد المهني
على الصعيد المهني كان لافتا انضمام النقابات المهنية إلى حراك الشارع المطالب بمحاربة الفساد، والمطالب الاقتصادية الأخرى وتبنّي المطالب المهنية لمنتسبي النقابات وخوض تجارب واقعية في الإضراب والاعتصام والتوقف عن العمل.
كما كان للنقابات المهنية دور مميز في تبني مطالب المعلمين، حيث أصدرت النقابات بيانات مؤيدة للمعلمين إضافة إلى احتضانها معظم نشاطات اللجنة الوطنية لإعادة أحياء نقابة المعلمين.
وقادت نقابة الأطباء إضرابا بدأ في الثاني عشر من شهر نيسان واستمر قرابة ال61 يوما، كما نفّذت اعتصاما أمام رئاسة الوزراء لبس أعضاؤها الزي الرسمي في محاولة منهم للضغط على الحكومة بهدف التحرك لإقرار النظام الخاص الذي يطالب به الأطباء.
وانضمّت للإضراب قطاعات أخرى، وأعلنت نقابة أطباء الأسنان انضمامها إلى الإضراب، كما أعلنت نقابة الممرضين بدء خطوات تصعيدية وتنفيذ اعتصام أمام رئاسة الوزراء احتجاجا على أوضاع منتسبيها العاملين في وزارة الصحة.
وأطلقت النقابات المهنية لجنة المتقاعدين المهنيين المدنيين والعسكريين التي نفّذت اعتصاما أمام رئاسة الوزراء للمطالبة بتعديل رواتب المتقاعدين المهنيين وتحسينها، والتي استجابت لها الحكومة.
وكانت النقابات رفعت مذكرة إلى رئيس الوزراء عون الخصاونة تضمّنت مطالب نقابية بضرورة التحرك لإنصاف المتقاعدين المهنيين المدنيين أسوة بزملائهم العسكريين، الذين شملتهم الإرادة الملكية بدراسة لتحسين أوضاعهم المعيشية. وشددت الدعوة على أهمية هذه القضية، التي تمس النسيج الاجتماعي الوطني وآلاف العائلات الأردنية، ممن أفنى أبناؤها أعمارهم في خدمة وطنهم والرقي به. ونوّه أبو طه إلى أنّه "لا يعقل أن يتقاضى المهني راتبا قيمته 900 دينار، وحين يتقاعد ينتكس راتبه إلى 300 دينار".
وكاد موضوع إعادة الهيكلة أن يعيد العلاقة بين الحكومة والنقابات إلى مربع الأزمة، حيث تؤكد مصادر نقابية أنّ مشروع إعادة الهيكلة سيكون بمثابة المقياس الذي ستحكم من خلاله النقابات على علاقتها المستقبلية مع الحكومة.
ووجّهت نقابة المهندسين الزراعيين رسالة إلى رئيس الوزراء حذّرت فيها من مجرد إعادة مناقشة مشروع هيكلة رواتب القطاع العام.
أما نقابة الأطباء فقد لوّحت باتخاذ خطوات تصعيدية في حال تراجعت الحكومة عن إعادة الهيكلة مكررة مطالبتها بإقرار النظام الخاص لأطباء وزارة الصحة كمخرج يمثّل الحد الأدنى والبداية في معالجة التحديات التي تواجهها.
أما نقابة الصيادلة فلم تتأخر في توجيه رسالة إلى الخصاونة تتعلق بمطالب الصيادلة العاملين في القطاع العام، أكّدت فيها أنّ الصيادلة يشعرون أنّ هناك امتهاناً لمهنة الصيدلة وسلباً لحقوق الصيادلة من خلال عدم وجود عدالة كما هو حال المهن الأخرى التي لها نفس عدد سنوات الدراسة الجامعية.
أما نقابة المهندسين فلم تخفِ عزمها عن اتخاذ سلسلة من الإجراءات التصعيدية تبدأ بالاعتصام أمام رئاسة الوزراء بالتنسيق مع كافة النقابات المهنية في حال المساس بالمكتسبات الوظيفية والمالية للمهندسين ومنتسبي النقابات المهنية الأخرى العاملين في أمانة عمان الكبرى.




